عبد الكريم الخطيب
1347
التفسير القرآنى للقرآن
إنما يسيئون من حيث لا يدرون إلى مقام النبىّ الكريم ، بهذه الألوان الصارخة من الخيال ، الذي يلقونه على صورته الكريمة ، فيطمسون معالمها ، ويشوّهون حقيقتها ، فلا يمسك منها النظر ، أو العقل ، أو الخيال ، إلا بظلال باهتة متراقصة ، يموج بعضها في بعض ، فلا تستبين فيها حقيقة لمخلوق ، من أهل الأرض ، أو عالم السماء ، وإنما هي أمشاج مختلطة ، من خيالات وأوهام . . . ! « 1 » إن عظمة « محمد » في أنه بشر كامل البشرية . . ولد من أب وأم . . وحملت به أمه تسعة أشهر ، وأرضع في البادية كما يرضع الأطفال ، وعاش كما يعيش أطفال قومه ، وصبيانهم ، وشبّانهم ، ورجالهم . . وإن كان ذلك على أحسن صورة يراها الناس في إنسان ، ويتمنّونها لهم ، ولأبنائهم . . فلما كرّم اللّه سبحانه وتعالى محمدا بالرسالة ، لم تقطعه هذه الرسالة عن حاله الأولى ، ولم ير فيه الناس غير ما يرون ، بل إنه لم يأتهم بخارقة من الخوارق ، أو معجزة من المعجزات ، يملكها في يده ، وإنما جاءهم بآيات هي كلمات اللّه ، مضافة إلى اللّه سبحانه ، ومنسوبة إليه جلّ شأنه . . وما محمد إلا مبلغ لهذه الكلمات ، وليس له منها إلا ما للناس جميعا ، من الاهتداء بنورها ، والامتثال لأمرها ونهيها . . فكان ذلك أعظم توكيد وأبلغه ، للدلالة على بشرية الرسول من جهة ، وعلى أن ابن الماء والطين يحمل في كيانه من قوى الخير ، ومشاعل النور ، ما يرتفع به إلى أعلى عليين ، وأن الطريق مفتوح إلى ما لا حدود له من الكمالات ، أمام الإنسان . . وأمامه المثل الأعلى للإنسان . . في محمد - « صلوات اللّه وسلامه عليه » . .
--> ( 1 ) انظر بحثنا في هذا عن « الحقيقة المحمدية . . وما يقال فيها » في الكتاب الثامن من هذا التفسير .